سمارة نوري

الاسرة

علي عزت بيغوفيتش – رئيس دولة البوسنة والهرسك

كانت تدمير الاسرة هو القشة التي قصمت ظهر البعير في عالم التقدم والحضارة.

الاسرة ليست نواة المجتمع كما تعلن بعض الدساتير القديمة، لان المبدأ الرابط فيها هو الحب والعاطفة، بينما الرابط الاساسي في المجتمع هو المصلحة أو العقل او كلاهما معآ.

وكل تطور في المجتمع يقابلة انكماش في الاسرة حتى اذا ما وصل المجتمع الى المثالية او الطوبيا التي تكلمنا عنها تلاشت الاسرة.

يقول أنجلز: ان الاسرة آخذة في التقلص التدريجي، فقد كانت تحتوي من قبل على القبيلة بأسرها، وفي اطارها كان الزواج هو العلاقة بين الجنسين، ثم بدأت عملية الاسبتعاد، فذهب الاقارب، ثم ذهب أدناهم فأدناهم، ثم ضاقت الدائرة ليصبح الاجتماع في علاقة زوجية مستحيلا من الناحية العملية، وفي الختام لم يبق الا الفرد وحده مع علاقة سائبة مع الجنس الآخر، وبهذا الانحلال يتوقف الزواج.

العامل الحاسم وفقآ للمذهب المادي هو الانتاج واعادة الانتاج لمطالب الحياة المباشرة، والانتاج عملية ذات وجهين: الاول، يشتمل على انتاج وسائل الوجود من السلع الغذائية والملبس والمسكن، وادوات الانتاج .. والثاني، يتلخص في أنتاج الكائنات البشرية نفسها.

ولابد من تحرير النساء لتحقيق الشرط الاول، وهذا يعني الغاء الاسرة كوحدة اقتصادية اجتماعية وتحويل ادارة البيوت وتربية الاطفال شأنآ من الشؤون العامة .. سواء كانوا أبناء شرعيين او غير شرعيين!!!.

تقول الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار: ستظل المرأة مستعبدة حتى يتم القضاء على خرافة الاسرة وخرافة الامومة والغريزة الابوية.

لقد كان الرجل اول من هجر الاسرة، ثم تبعته المرأة، ثم الاطفال.

ونستطيع ان نتتبع القضاء على الاسرة في كثير من الجوانب .. فعدد حالات الزواج في تقهقر مستمر، مع تزايد حالات الطلاق، وازدياد عدد النساء العاملات، والزيادة المطردة في عدد المواليد الغير شرعيين، وازدياد عدد الاسر التي تقوم على احد الابوين فقط وهي الام …الخ.

وفي مسح اجراه معهد استكهولم للبحوث الاجتماعية عام 1972، أن النساء اللائي يذهبن الى دور الدعارة، نساء ميسورات في أغلب الحال، وانما أصبحن مدمنات للدعارة بسبب استعذابهن لاسلوب الحياة السائبة!!!!.

ان عدد العاملات الموظفات في الاتحاد السوفيتي سابقآ قد بلغ 82 أمرأة بين كل 100 أمرأة وبنسب متفاوته في الدول الغربية الاخرى.

وقد برزت الظاهرة نفسها في الصين وكوريا، حيث تعيش ملايين الاسر في حالة انفصال: يعمل الاب في جزء من الدولة، وتعمل الام ومعها الاطفال في جزء آخر، ولايلتم شمل الاسرة الا مرة واحدة في العام، والسبب المُعلن هو حاجة الدولة الاقتصادية او المصلحة العامة.

وما دولنا العربية اليوم ببيعدة عن هذه الظاهرة الدخيلة.

وطبقآ لبعض الدراسات في أمريكا، بلغ عدد الاطفال الهاربين من بيوتهم الى 2 مليون عام 1976، فكم اصبح العدد في عامنا الحالي 2012!!!!.

أما المسنين فلا حاجة لهم في هذا المجتمع المنتج بغض النظر عن المعايير الاخلاقية، واذا لم يكن في هذا المجتمع ارواح انسانية فأن المسنين هم اقل شيء نحتاج اليه في هذا العالم.

لقد أعتبرت جميع الاديان الاسرة بأعتبارها عُش الرجل، واعتبرت الام المعلم الاول الذي لايمكن استبداله، اما الطوبيا فقد استبدلت الام والاب بالتعليم الاجتماعي والحضانة وبيوت الاطفال، وبصرف النظر عن هذه المؤسسات فأنها جميعآ تشترك في غياب الأم ووضع الاطفال في رعاية الموظفين.

الام تلد أنسانآ وتربيه، اما الحضانة فأنها تهيئ عضوآ في المجتمع مصمم ليسكن مجتمع الطوبيا، ولذلك فالحضانة مصنع او آلة تعليمية.

فبدلآ من تربية او التنشئة تحل التكنولوجيا كأننا بأزاء انتاج الدواجن!!!.

فالحضارة لن تتحق بشكل كامل الا بالقضاء على الشخصية الانسانية .. فالانسان وشخصيته لايتلائمان مع آلياتها وابنيتها ومؤسساتها، وتعاونياتها ومصالحها العامة، وعدالة دولتها ونظامها.

وهذا هو السبب في نشوب الحرب التي لاتتوقف بين الانسان وبين هذا “العدوان المبرمج”. اندريه فوزنسنسكي.

أن موقفنا تجاه الزواج والاسرة والتعليم والابوين والطاعنين في السن، يتوقف على رؤيتنا للانسان .. أي فلسفتنا تجاه الانسان.

في جميع دول أوربا هناك ركود هائل في نسبة المواليد، يرجع الى وضع الامهات او الرغبة في الانطلاق في حياة سائبة بدون ألتزامات .. وهي نتيجة مباشرة لغياب القيم الدينية والثقافية.

لقد أحالت الحضارة النساء الى موضوع أعجاب او استغلال، وحرمتها من شخصيتها، وهي الشئ الوحيد الذي يستحق التقدير والاحترام .. لم تعد المرأة شخصية ولا كائنآ أنسانيآ، فهي لاتكاد تكون اكثر من “حيوان جميل”.

لقد ألحقت الحضارة الخزي بالامهات بصفة خاصة، فهي تفضل مهنة البيع، او ان تكون “موديلآ” او معلمة لاطفال آخرين، او سكرتيرة او عاملة نظافة على ان تكون أمآ!!!!.

أنها الحضارة التي أعلنت ان الامومة عبودية، ووعدت ان تحرر المرأة منها، وتفخر بعدد النساء اللاتي نزعتهن (تقول حررتهن) من الاسرة والاطفال لتلحقهن بطابور الموظفات.

على عكس هذا الاتجاه، فقد مجدت الثقافة الام وجعلتها رمزآ وسرآ وكائنآ مقدسآ وخصصت لها اجمل الاشعار واعذب الالحان واكثر اللوحات الفنية جمالآ. فبينما الام مستمرة في عالم الحضارة، يرسم بيكاسو لوحته الرائعة الامومة، ويترنم بتمجيد الامومة حين يقول: “بالنسبة للثقافة لاتزال الام حيّة”.

تسير بيوت المسنين جنبآ الى جنب مع بيوت الاطفال المحرومين، فهما ينتميان للنظام نفسه ويذكران بالميلاد والموت الصناعيين. كلاهما تتوفر فيه الراحة وينعدم فيهما الحب والدفء. كلاهما مضاد للاسرة بسبب تغير دور المرأة في الحياة الانسانية، وكلاهما مشترك بأنعدام العلاقة الابوية: ففي الحضانة أطفال بلا آباء، وفي دور المسنين آباء بلا أطفال، وكلاهما المنتج “الرائع” للحضارة والمثل الاعلى في كل طوبيا.

أن الاسرة والامومة معها ينتميان الى المفهوم الديني، أما الحضانة بموظفيها فتنتمي الى مفهوم آخر.

المقال السابق: الاسلام بين الشرق والغرب 1 – داروين .. وتطور الانسان

المقال السابق: الاسلام بين الشرق والغرب 2- الفن والاخلاق

المقال السابق: الاسلام بين الشرق والغرب 3 – الطوبيا او المجتمع المثالي